التاريخ: أول يوم لي في هذه الكلية
الساعة : السادسة صباحا
أنتفضت من مرقدي بحركة هستيرية بعد أول دقات منبهي ...... آآآآهاووووو ...... لقد مضى علي دهر لم أرى فيه شروق الشمس بعد أجازة تم قضائها كاملة بين جوانب سريري العزيز !
آه ه ه ه
وقفت أراقب نفسي في المرآة وأبتسمت أبتسامة ظافرة ...... لقد صرت من الآن فصاعدا الطالب المحترم بكلية الهندسة !
لقد تحقق أملي أخيرا
!
لقد صار أسمي ملحقا بحرف " الميم " الذي كنت أحلم به !
لقد كنت أستعد لهذا اليوم منذ زمن طويل !
لن أحدثكم عن أهمية هذا اليوم بالنسبة لي !
لن أحدثكم عن الهدوم إللي بقالي شهر بكوي فيها ...... ولا حمام البرفان إللي أنا أخدته ..... ولا عن طن الكريم إللي حطيته على راسي
...... ولا عن الكوتشي إللي حلبسه لأول مرة ...... ولا عن المسطرة ال " تي " التي أقبلها يوميا قبل نومي ...... ولا عن ...........
بإختصار !
لقد فعلت كما فعل أي طالب في كلية الهندسة في يومه الأول !
كنت أظن أنني عندما أخرج إلى الشارع سأجد الجيران يقذفونني بالورود كأحد الإمبراطورات في العصر الروماني !
أو أن الفتيات المراهقات سيفقدن وعيهن عند رؤيتي وهن يهتفن " ياااااااي ..... واااااااو ........ ده في هندسة .... "
ولكن للأسف الشديد ... محدش عبرني
قلت أركب تاكسي عشان الهدوم ماتتكرمش ... وقولت للسواق بكل فشخرة وألاطة علمية ... كلية الهندسة . كنت متصورا أن الرجل سيسقط فكه السفلي من الإنبهار أو أن عينيه ستجحظ من الذهول عندما قلت له كلية الهندسة
بس للأسف ...الراجل كان بمنتهى البرود ((ناهيك أنه موقفليش أصلا
!!!))
المهم وصلت للكلية وأنا أسب وألعن في الناس التي لا تقدر العلم والعلماء والمهندسين .... ولكن مشهد الكلية العريقة انساني كل شئ !
أمن البوابة .....أوقفني وقال لي : كارنيهاك يا كابتن !!! .... كابتن ؟؟ هوا أنا رايح نادي ؟ ... طبعا طلعتله ورقة التنسيق متصورا أنه سينتفض كالعصفور المبلل ويقول لي : لو مؤاخذة يا بيه ... أتفضل يا بشمهندس ... إللي ما يعرفك يجهلك ... سماح المرة ديه .....إلخ
ولكنه بكل برود أشار لي للدخول وكأني داخل كلية أبوه !!!
ما علينا ....
دخلت الكلية ...... ومثل أي كلية في العالم ...... وجدت طلبة !
نعم ...
هذا هو مجتمعي الجديد ......
سيداتي أنساتي سادتي ...... أقدم لكم عم الدايس ...... أنا !
طبعا قوبلت بالتجاهل التام وكأن حالتي البائسة ليست الأولي من نوعها في هذه الكلية!
حسنا .... بعضا من التجول قبل المحاضرة لن يضر على أية حال ......
من أول نظرة يمكنك تقسيم طلبة الكلية إلى نوعين :
طلبة مبتسمين بسذاجة وعايزين يتنيلوا يعملوا صداقات (( طلبة أعدادي
))
وطلبة بتفكرك بشحاتين السيدة ... على وجههم الكابة والحزن (( باقي الكليه ))
طبعا بعد تواهان دام ساعتين ....... قدرت أوصل للمدرج ...
كانت محاضرة "......." للأسف ... الدكتورالعظيم قال كلاما بلغة لا أفقه منها شيئا ... أعتقد لو أنك أحضرت رجلا أميا من أفغانستان وشرحت له المحاضرة باللغة العبرية , لفهم أكثر مني !!!
وبعدها أتت محاضرة الـ " ......... " ولثبت الدكتور لنا أنه " فكاهي " أشجانا ببعض النكت والأفشات المثيرة للبكاء ..... يكفي أرجوك ...... نظرت إلى الطلاب .... بعضهم يضحك مجاملة له ..... والبعض الآخر- وأنا منهم- على وشك رفع الراية البيضاء كناية عن الإستسلام التام والإستعداد لدفع الجزية إن أراد ذلك
!
ثم أتت محاضرة الـ " ........ " ليطرب أسامعنا أحد الدكاترة العظماء بقصيدة 
" أنتو شوية كلاب بتتسولوا العلم وملكمش أي باور في الكلية .... زيكم زي الجزمة القديمة إللي في رجلي ...... أنتم فاكرين نفسكم بني أدمين ياولاد الـ ........ أنتو حثالة .... أنتو وقعتوا ومحدش سمى عليكو ..... أنا محدش قدي ولا جيه بعدي ولا قبلي إللي يقدر يعمل إللي أنا عملته .....
"
الحقيقة ..... لقد أصبت بإكتئاب من أسلوب التدريس في الكلية !
وكأن شعار الدكاترة " لا للطلبة .... لا للأوغاد "
السؤال الأول : أوجد إختلاف واحد فقط بين الدكتور والدكتاتور !
********************************************************************************
التاريخ: بعد أول أسبوع لي في كلية الهندسة
الساعة : الثامنة والنصف صباحا
وصلت إلى الكلية العزيزة وأنا ألهث .... أريد ماء ..... أريد ماء
بدأت رحلة البحث عن الماء ...... وبما أنني طالب جديد في هذه الكلية , لم أكن قد أكتشفت منابع المياة في كليتنا العريقة !
لم أكن لأتعجب إن وجدت أحد الطلاب يحفر بئرا , أو أن هناك جمع من الطلاب يصلون صلاة الإستسقاء آملين من رب العالمين أن ينزل عليهم غيثا من السماء !
وبعد بحث دام لمدة ساعتين وجدت أحد الآبار ... أقصد ... الكولديرات ..... وطبعا لا توجد صلة تربطها بإسمها ...... ولكنه ماء على أية حال ..... الحمد لله , لقد أكتشفت أنني لست الوحيد الآدمي المرفه في هذه الكلية الذي يشعر بالعطش .....
عزمت على الذهاب إلى مقر أتحاد الطلاب لأقترح عليهم عمل لوحات مكتوب عليها : " أقرب كولدير – 2 كيلو " أو عمل رسم تخطيطي لي للعثور على مصادر المياة في كليتنا !
بالتأكيد لم أذهب إلى مقر الإتحاد ....... لأنني " وما زلت إلى الآن " لا أعلم أين يقع مقر الإتحاد 
لا أدري إن كان هناك شئ يسمى بمقر الإتحاد ..... أو أن هناك أصلا شئ يطلق عليه أسم إتحاد الطلبة ..... ولكني متأكد أنه ليس أضغاث أحلام .... بالتأكيد الإتحاد موجود في مكان ما في هذه الكلية ينتظر كولومبوس أو أبن بطوطة ليكتشفه
!
حسنا .....
لقد أرتويت وهذا هو المهم ..... فلأدع أمر الإتحاد إلى رحلة أخرى !
بدأت نفسي الأمارة بالسوء تراودني لأن أقوم ببعض الأنشطة !
وجدت ملعبا أخضر على أعلى مستوى , وكأن كل شبر فيه يهتف بإسمي !
أبتسمت وأنا أتذكر ملعب المدرسة المثير للإشمئزاز ..... هذا هو المسمى بالملعب , هذا هو ما أتحدث عنه !
توجهت بكل براءة إلى الملعب فاستوقفني أحد الأشخاص قائلا لي " ممنوع اللعب هنا يا بشمهندس "
أنا : " حضرتك بتكلمني ؟!
"
الرجل : " أيوة "
أنا : " ليه ممنوع ؟"
الرجل : " كدة "
نظرت إلى الملعب الأخضر المثير ..... ولاحظت أن هناك بعضا من الكلاب الأليفة وهي تتمطع بإستمتاع على خضرة النجيلة ...... لدرجة أنني على وشك أن أقسم أن أحد الكلاب كان على وشك الإبتسام لي بتشفي وكأنه يلعن طلبة إعدادي الفضوليين الذين يريدون الإعتداء على مكانه المقدس !
نظرت للرجل بنظرة كراهية وكنت على وشك أن أقول له " إشمعنا الكلاب وأنا لاء "
حسنا ..... بالتأكيد هذا الملعب وضع هنا لسبب ما , قد يكون السبب هو زيادة المساحات الخضراء في الكلية أو زيادة عدد ملاعب مصر أو لتخسيس الطلبة حتى تدور حول الملعب للوصول إلى المبنى الجديد قاطعين عشرات الأمتار في الشمس الحارقة !
سأكتشف هذا فيما بعد !
وأكتشفت فيما بعد أن هناك إجابة أخرى
!
السؤال الثاني : أي من التعبيرين أصح لغويا وفعليا " نشاط طلابي أم إحباط طلابي "
**************************************************************
التاريخ : بعد أول ميد تيرم
الساعة الثامنة صباحا
صرخ منبهي فجأة وكأنه يعلن لي أمتعاضه بسبب أنني ما زلت نائما !
ياستار يا حليم ...... هوا كل يوم كلية ..... كلية كلية كلية ...... ده أنا لسة مخلص الميدتيرم إمبارح .... أي نعم أنا كنت ضيف شرف فيه
..... بس أسمه في الآخر أمتحان ....... في أختراع أسمه راحة ياجدعان !
مش مشكلة .... حفوًر اليوم ده ... !
الميد تيرم ....
من عجائب الكلية المائة !
فمن عجائب الميد تيرم أنه عندما يتم تغيير أحد مواعيد إحدى المواد , ويتم التنويه عن ذلك في قصاصة ورق , مكتوبة بالحبر السري ومعلقة على أحد أسقف الكلية , في مكان غامض لا يعلمه سوى الله والدكتور ( واضع المادة ) والعميدة شخصيا !
ولا تتعجب إن علمت أنه قد تم إعدام أحد الطلبة بتهمة التجسس لصالح الطلبة وحصوله على مستندات تنطوي تحت بند ( سري للغاية
) بها معلومات بالغة الأهمية عن ميعاد الإمتحان ومكانه ومدته !!
في رأيي الخاص .... أن على طلبة كلية الهندسة الإستغناء عن الدروس الخصوصية وإستبدالها بدروس في علم التنجيم والدجل والشعوذة ورمي الودع وقراءة الفنجان فضلا عن حضور الجلسات الروحانية لمحاولة إستحضار روح الدكتور لمعرفة ميعاد الإمتحان !!!
طبعا لن أحدثكم عن مأساة الميدتيرم .... وأراهن أن الدكاترة ستدمع أعينهم من الضحك على ورقة إجابتي ....... ولن أتعجب إن نادى مناد أن على الطالب : عم الدايس أن يتوجه إلى مكتب العميد للضرورة القصوى !
ولكني على ما أعتقد ..... أمتلك موهبة عالية في الفبركة تجعل من العسير تقفى أثر الإجابة في ورقة الإجابات !
طبعا بعد خبرة دامت شهرين أكتشفت أن هناك طلبة في هذه الكلية شعارهم الأزلي " داري على شمعتك تقيد "
والحقيقة أنني بدأت أتعامل مع الطلبة بحذر شديد !
الكل يحلف بالأيمان المغلظة أنهم ضائعون تائهون ضالون في المواد ....... لدرجة تجعلك " تاخد قلم في نفسك " وأنهم
سيعينوك معيدا بسبب تكرمك شاكرا بمذاكرة ملزمة رياضة واحدة !
أنها أكبر آفة في كلية الهندسة !
الطلبة المحبٍطة ( بكسر الباء )
الطلبة التي تجعل الوهن يدب في عروقك وتنام مطمئن البال على أنك أحسن من غيرك كتير .... وكلنا في الهوا سوا ...... وكل الهراء الذي أسمعه يوميا !
وطبعا بعدما تتوقع أنك ستتعين معيدا في هذه الكلية تتفاجأ بأنك معيدا للسنة
!
السؤال الثالث : لأي طائفة من الطلبة تنتمي ؟ ( الموس ...... الفلحوس ....... الجاموس )
********************************************************************************
التاريخ : بعد أول تيرم
الساعة: العاشرة صباحا
قمت من مرقدي بحركة متثاقلة وأنا أسب وألعن في المصححين بتوع ثانوي إللي خدتهم الجلالة أوي والأمانة نأحت عليهم وصححولي بذمة ودخلوني هندسة !
أنا مالي ومال الغلب ده !
مالها تجارة يعني ؟
مهي زي الفل أهي !
أرتديت أعفن بنطلون لدي ...... وتي شيرت بتاع ترينج ..... وكاب ..... وروحت نازل !
تاكسي مين يا عم ....هو الميكروباص زي الفل أوي !
وبينما أنا أتمتم بقصائد رثاء لنفسي قطع حبل أفكاري أحد الركاب وهو يهتف لسائق الميكروباص ليتوقف قائلا : " على جانب يابشمهندس "
طبعا أسترعى أنتباهي كلمة " باشمهندس " ..... يا جماعة حرام عليكم بجد ...... في طلبة بتموت شهيدة في الكلية عندنا عشان تحصل على اللقب ده .... أنا ذات نفسي مش لاقي فايدة للسبع ....إحم .... أقصد الخمس سنين بتوع الكلية غير أنك بتحصل على لقب مهندس في الآخر
!
والله ما أنا راكب مايكروباص النهاردة !
أوقفت تاكسي قائلا له :
" كلية الزفت ..... أقصد .... هندسة .... عبده باشا بمعنى أصح * "
توقف التاكسي ..... وبدأ السائق يثرثر عن حياته ...... ثم قال لي " أنت في هندسة "
أنا: " أيوة "
هو: " أنت عارف أن الكلية ديه كانت زمان غير دلوقتي "
أنا :" إيه ؟ كانت كشك مثلا وقلبوها كلية ولا إيه بزبط "
هو: " لا مش القصد يابشمهندس ..... قصدي كانت حاجة تفرح مش زي دلوقتي "
أنا: " وسعادتك جيبت المعلومات الفظيعة ديه منين ؟ "
هو: " يابني أنا خريج هندسة قسم ..... "
أنا: " طيب على جنب "
عدت إلي بيتي , وبدأت أعراض عجيبة تظهر على قوتي العقلية ...... وبدأت أسمع صدى عبارات طالما سمعتها .....
صوت الراكب وهو يقول: " على جنب يا بشمهندس" وصوت سائق التاكسي " أنا خريج هندسة " وصوت جدتي وهي تقول :" بنت عمتك جالها عريس إنما إيه .... دكتور أد الدنيا ...... أبن عمك أتخرج من تجارة وبيقبض 1000 جنيه في الشهر " صوت أبي وهو يقول للميكانيكي والسباك " تسلم إيدك يابشمهندس "
أمال أنا أبقى إيه ؟؟؟
حراااااااااااااااااام !
" ممكن أطلب منك طلب يا بشمهندس ؟ "
قطع حبل أفكاري صوت أمي وهي تهتف بهذه العبارة ...... بشمهندس ؟؟ إلتفت يمينا ويسارا لأتأكد أنني الوحيد في هذه الغرفة ....... بشمهندس ؟ ده أنا يعني ؟ صحيح ..... ده أنا باشمهندس أد الدنيا ..... أي نعم لما أتخرج حصيع ..... بس إسمي في الآخر باشمهندس ..... أيوة كدة ياجدعان ..... شوية تقدير للعباقرة أمثالي ...... كانت فين الكلمة ديه من زمان !
أنجعصت في مجلسي ...... ورفعت رأسي بكبرياء وألاطة إلى أمي قائلا " نعم يا مـامـا ..... بس قولي باشمهندس تاني عشان خاطري
"
ضحكت ثم قالت " ماشي يا بشمهندس دايس ....... عايزاك بقى تنزل تجيبلي 2 كيلو رز و2 كيلو طماطم ونقيها كويس ماتجيبهاش مفعصة زي المرة إللي فاتت و2 كيلو خيار وكيسين صلـ ....... مالك يا دايس يابني ..... أنت بتعيط ؟؟
...... دايس..... دايس ..... أبني !
"
السؤال الرابع: ما الفرق بين كلمة هندسة وكلمة هلوسة ؟
أسامة عفيفي
24-2-2006
----------------------------------------------------------------------------------------
القصة كانت مهداة إلى أحد المجلات النصف سنوية التي تصدرها إحدى الأسر في كلية هندسة عين شمس
والحمد لله ... بعد لما بعتلهم المقال المجلة وقفت ولم تظهر القصة للنور إلا من خلال المواقع الخاصة بالكلية



