تجميع لكتاباتي على مواقع كلية الهندسة جامعة عين شمس

توليفة من بعض من كتاباتي على مواقع كلية الهندسة جامعة عين شمس




السبت، 30 أغسطس 2014

تأملات في هذه المسرحية السمجة

بحثت كثيرا عن مقدمة لوصف عباراتي القادمة فلم أجد ... إن عقلي  بخواطره صار كبحر لجيً يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ... مؤخرا أصبحت أعتبر كلماتي كقطيع من الثيران الهائجة لا قائد لها فيقودها  ولا راعي فيرعاها .. فقط أريد أن أكتب ...ثلاث سنوات مضت وأنا أريد أن أكتب ... كلما بدأت بالكتابة أتوقف , بداخلي أفكار كثيرة ... ومتناقضة ... عاجز عن وصفها وكذلك تغيرها ... من قبل الثورة وأنت تشعر أنك تقف وسط مشهد من فلم قديم مهترئ ... لا تصدق ما يجري حولك ... رغم إيمانك أنه حقيقة ... الأمور واضحة بشكل خارق ... فقط من يتمتعون بالسلام النفسي من يرون ذلك بكل بساطة ... تمتلئ المشاهد بصور لأناس قد سامهم على وجوههم علامات الأنانية المطلقة والجهل المتعمِد والغباء الأبدي ...هناك أناس يجلسون في الظل وهم يراهنون على فشلك ويحتسون في سخرية وتلذذ كأس الهوان ... وهناك آخرون يضحكون في شماته وتشفي وهم يشمتون في آخرين يحذون حذوهم ....فتدقق النظر فتعلم أنهم فقط يقفون آمام مرآة ... هناك ذئاب تلبس أقنعة متعددة ... ويقومون بتغيرها أمام الجميع وهم يتغامزون ويتضاحكون ولكن لا أحد يلاحظ ... إلا شخص واحد يصرخ مشيرا إليهم بصوت مكبوت في هذا الهرج ....  أريد أن أكتب عما أراه... عما أشعر به ولكنني عاجز...أجواء مشحونة بالكراهية والتربص والعصبية توشك أن تكتم أنفاسك .... أرواح ودماء ودموع تودع الدنيا بدون مقابل ... هناك قطط سمان محمولة على هودج فوق نمور يجلدها ويمتطيها ضباع ....ترى ذئابا تلبس لحا مستعارة ممسكة بالمباخر والسبح وهم يرددون ترتيلة تلمودية في رضا وحولهم اناس يسجدون إليهم في إنبهار ... أنت تعرف هؤلاء ولكنك الآن صرت تتبين ما يقولون , فقط علمت أنهم زبانية ... هناك خنازير تتجشأ حمما من صديد يصبونها صبا في آذان آخرين مستمعين إليها مستمتعين , فتبعث في نفسك كل مشاعر التقزز والغثيان .... ترى في خلفية المشهد كلبا يلبس فرو ذئب يكاد يموت سعادة وهو فرح بما خطط له كأي ذئب دنيء يعوي عندما يرى قطيع من الأغبياء يعبدونه... تدقق النظر أكثر فتتبين أنه دمية يحركها أشخاص لا تعلم لوجوههم ملامح ولكنك تحس بإنقباض في الصدر من رؤيتك للظلال....  مشاهد أعجز عن وصفها ولكني أراها وأشعر بها ... وكأن كل ما حولك ما هو إلا مسرحية هزلية رديئة تحتاج فقط لمن يغلق الستار حتى تستيقظ من هذا الكابوس ... فقط أرجو من سيادتكم ألا تعتبروا الكلمات السابقة مقدمة تخيلية لما قد تقرأونه فيما بعد !


أما بعد !

إنني بعض الأحيان أتأمل مليا في حال أمتنا المصرية ... عادة تكون تأملاتي مصحوبة بإنقباض في عضلة القلب أو غليان داخلي ... ولكنني إعتدت تقريبا على ذلك .... فإن وجدت نفسك سعيدا مبتهجا ... نصيحة مني تجاهل هذا الموضوع بالذات ... ولكن إن تابعت فدعني أخبرك أنه قد حان الوقت لترى صورة الوجه القبيح إن كنت تنوي أن تقوم بعملية تجميل ... هناك عباقرة في مداراة العيوب ... وهناك عباقرة  في مداواة العيوب ... الصعوبة فقط تكمن في الإعتراف بأن هناك عيوب !


التأمل الأول : الجيل السابق

أنا لست عاقا وناكرا للجميل ولا أوقر كبيرنا ... أنفي تهما ستتهمني بها فيما بعد ... ولكنني سأتحدث عن جيل ينضم إليه الكثير من الآباء والأمهات والأخوال والخالات والأعمام والعمات إلا من رحم ربي .... أجيال  تعلموا في تلك الايام ان يخطئوا , وأن يحترفوا الخطأ , والأهم أن يحترفوا اخفاء أخطائهم .. حتى تسير الامور كما ينصحك هؤلاء القدامى العارفين الذين يظنون أنهم يقطرون حكما لن تفهمها , لا بد أن تعترف ... إن  ذنوبهم القديمة والحديثة بسيطة , غضة بريئة مبررة  ... ولكنك بأنفك المعقوف تكبرا ... ووجهك التي تنبت منه الشعيرات المتشابكة ... قد أذنبت من الكبائر مالا يغتفر ...  وان روحك  تتشرب الفساد والقذارة كالفلتر القديم ... وأنك تقاتل من أجل مبدأ تؤمن به فتبدوا لهم رقيعا إلى حد لا يطاق .. وأن عقلك مليء بالتفاهات والهفائات لدرجة أنهم يتعجبون كيف ما زلت تذكر أسمك في وسط هذا الخضم من المزابل ... ولكن يظل مخك الطبيعي يعمل منذ نعومة أظافرك محللا  حياتك وحياتهم الذليلة في ترقب وصبر , إلى أن تأتي اللحظة التي يخبرك انه قد أكتفى من التحليل وأنه قد آن الأوان  فيها فعلا لتتحدث وتنتقد وتنتفض والأهم من ذلك أن ترفض
وهنا تبرز إلى السطح النصائح التي ما يزالون يسحرونك بها ... أن تعيش وأن تمشي ( جنب الحيط ) ... ولا تتحدث  أيضا بجواره لأن ( الحيطان ليها ودان ) ... وإذا أردت أن تعبر سيفا أفقيا يعترض طريقك فيجب أن تطأطأ رأسك حتى تحتفظ بها وأنك المشكلة ويجب أن تتغير وتربي أبنائك على القيم في وسط هذه العفانات التي صنعوها أو لم يحركوا ساكنا لأنهم ( جنب الحيط)... هذه الآراء تضيف إلى حياتي خبرات لا مثيل لها ولكنني مؤمن أن عالمي ووطني  الذي أحلم به لا يحتاج إلى النصائح ... إنه يحتاج إلى القدوة ... هذا السخاء الفكري الذي تشبعون به عقولنا الفارغة لم تعد تستطعم ... خاصة أنهم أثبتوا أنهم خبراء وحكماء بأثر رجعي ... يتنبئون بالمصائب بعد وقوعها وليس قبلها ... إن كنت مصيبا تفاخروا بالجيل الذي صنعوه ... وإن كنت مخطئا لعنوا هذا الجيل الفاسد صارخين أنهم كانوا يعرفون ذلك.... ولكنم آثروا ألا تطفوا خبراتهم إلى السطح إلا في الوقت المناسب ... ويخبرونك أنه قد آن الأوان ليمسكوا بزمام الأمور ليعودوا بها إلى ما تعودوا عليه وليس ما تصبوا إليه ويصبوا إليه أي عاقل

عزيزي هذا الشخص :
وفر كلماتك ولسانك ... فلن تجد لها مستقرا سوى آذانك ... لأننا فهمنا أنكم العقبة التي لم نكن نراها من قبل .



التأمل الثاني:الفقير المصري:

هو فقط لا يريد أن يكون مثلك ... لديه قناعة إيمانية أن ذلك مستحيل ... أنت ببذلتك الفخمة من وجهة نظره وسيارتك التي تعدت الملايين من وجهة نظره أيضا ... بالتأكيد أمك من أهدتك هذه السيارة في عيد ميلادك ... أمك راقصة في أكثر تخيلاته أدباً... إن أمه قد ماتت تحت أنقاض منزلها العشوائي ... قد تكون ماتت قبل أنهيار المنزل ببضع دقائق بسبب فساد كبدها من ماء الصرف الذي تتجرعه يوميا...يؤمن تماما أن ما قد تتقاضاه في شركتك شهريا قد يكون أضعاف ما تقاضاه في حياته ... تبتسم وتضحك بلا مبالاة مع صديقك الذي يدلي بيده خارج سيارتك ممسكا بسجاره الفخم ... إنه ينظر إليك ...يراقبك وأنت ترفض برفق أو غلظة أو تكابر متسولاً متعلق بزجاج سيارتك ... نعم لن يستطيع أن يكون مثلك أبدا وإن حاول ... ولكنه يتمنى من قرارة نفسه أن يراك مثله !


أنت لا دخل لك فيما يحدث له ... لم تؤذه ولم تكن أبدا سببا في يأسه .... لم يؤخذ رأيك حين تم دفنه تحت أنقاض الفقر والقهر ...ولكنك لسبب ما من وجهة نظره  مطالب بدفع ثمن فقره وقفره وقهره... العدو الأغدر معروف ... وهو راض عن نفسه بشكل مقيت وسط جلاديه... ولكنه لا يجرؤ أن يواجهه ... أنت بالنسبة له صيد أسهل ... والأدهى أن دماؤك بالتأكيد أرخص

ينتمي إليهم الموظفين الحكوميين المرتشين جميعا ( إلا قلة مندسة رحمها ربي ) ....  مؤمنين إيمانا راسخا على أنهم يتقاضون مرتبا لا يستحقونه على عمل يفترض أن يستحقوا عليه أكثر وهي حقيقة فعلا .... ولكن لماذا يخرجون كبتهم على المواطن الذي بالتأكيد لو كان أفضل حالا ما وقف أمامهم ذليلا !

منهم الزبالين الذين يمثلون أيام الأعياد والمواسم أنهم ينظفون الطرقات ... لا تراه إلا في هذه الايام ... بالتأكيد لم يستيقظ ضميره الذي جثم عليه نفسه الجائعة واكتشف أن الطريق يحتاج للنظافة فعلا ... ولكنه خرج لهدف واحد ... أن يستعطف الناس ... أرجوكم ... أنا زبال مسكين أنظف يوم العيد ... كل سنة وأنتم طيبين فأعطوني مما أعطاكم الله !

أنا لا ألومهم على ما وصلوا إليه من إنحدار ولا داع لأن تخبرني أنني لا أشعر بهم لأني بالتأكيد لن أشعر بهم ... ولكن لماذا يستغلون عملهم في الشحاتة ؟ فليخلعوا عباءة " الإجتهاد في العمل " وليلبسوا ملابس الشحاتين مادامت الطرقات ستظل قذرة طوال أيام السنة !

وهناك ما هو الأسوء ... ما تحاول أن تزرعه وسائل الإعلام في عقول الجميع .... الفقر هو مرادف للسعادة ... السعادة ليست في المال ... جميع الأغنياء يتمتعون بكمية خساسة ونذالة تتناسب طرديا مع ما تحتويه خزائنهم ... مصابون بجميع الأمراض التي لا علاج لها فلم تفدهم أموالهم... بينماالفقراء دائما يتمتعون بالرضا والجدعنة والطيبة ... والاهم أنهم دائما أصحاء ترتسم على وجوههم ملامح الرضا والسعادة ... إبتسامتهم يتعجب لها الأغنياء التعساء ... لماذا لا يشعرون بالسعادة كالفقراء بالرغم من كنوزهم ؟...

بالتأكيد تختفي هذه الحقيقة عند أول ( وغالبا آخر) زيارة يقوم بها الفقير إلى مثواه الأخير في القصر العيني ليعلم يقينا أن المال له سلطة وله رونق وله أحترام في هذه البلد ... حتى الآن لم أقابل فقيرا سعيدا ... في حياتي السرمدية قابلت آلاف الفقراء ... كان أغلبهم يتمتع بالخسة والنذالة ... جميعهم مرضى ... قليل منهم راضون ... ولا يوجد بينهم سعيد مبتسم !

إنهم دائما ما يسخطون ويصبون جام غضبهم على من هم أقل منهم فقرا ... ولكنه مستعد أن يبيع صوته لمن كانوا سببا في فقره مقابل ثمن بخس ... 20 جنيها أو وجبة مشويات هي ثمن كافي لأن يتغاضى عن ذنوب جلاده ... ولكنه بعد عدة أيام عندما يحمل أبنه القتيل تحت عجلات الإهمال واللامبالاة والذل والقهر ... يبدأ بسب من كان السبب في مقتله لاعنا الحكومة في سره ... صابا جام غضبه في بطولة على من هم أقل منه فقرا ... ولكنه لا يجرؤ أن يمس الكبار ... كما تدين تدان أيها الغبي الأحمق التعيس الذي لا يستحق الحياة !

كان هناك من يقول أنها ثقافة الجوع كافر ... أو أنهم جهلاء ... ولكني لا ألتمس لهم عذرا ... لن يبقى في قلبي لو كنت مكانهم سوى الكراهية والثأر فقط لمن جعلني كذلك ... إن الرضا والتسامح والعفو أشياء لا تشترى حتى تباع ... ولا تخبرني أنك صرت زاهدا ... فإنه يستحيل أن يكون الجهل بالحياة دينا وأن يكون الفشل فيها تقوي !

عزيزي الفقير
أعلم أنك تقنع نفسك بأنها مليئة بالوطنية والحب والاشراق .. لكنك تحتاج أحيانا الى التسلح ببعض كراهية من جعلوك كذلك ... ولكن إن تجاهلتهم وتناسيتهم فأشتروك بثمن بخس ...حينها أرجو من جنابك أن تذهب إلى الجحيم ... فلن تجد مني سوى الشماتة .



وللحديث بقية ... إن كان في النفس بقية ... فقط أرجوكم ... اسدلوا الستار عن هذه المسرحية السمجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق