السؤال المعتاد والمتوقع بعد أحداث الجزء الأول ....
أين كنت تسكن
؟
بالتأكيد هذا السؤال هو الوحيد الذي أستطيع أن أجيب عليه , إلا لو تخيلت أنني أستطيع أن أجيب على أسئلة من عينة " هل أنت طبيعي ؟
"
بالتأكيد أنا طبيعي ولكن البيئة المحيطة بي كانت غير طبيعية بالنسبة للإنسان المصري !
في بداية حياتنا في السعودية , كان أبي يعيش كأغلبية البشر في المدينة ... يطلق عليها إسم شقراء وهي تعتبر عاصمة المنطقة الوسطى ... ولكن طبيعة أبي كانت مختلفة عن البشر العاديين !
إنه يعشق العلم !
يعشقه لدرجة لم أرى مثيلا لها في حياتي حتى الآن !
لن أتعجب إن أخبرني أنه يحب مرجع " غايتون " في الفيسيولوجي أو مرجع " أي سي يو بوك " أكثر مني !
وهنا كانت المشكلة !
جارنا المصري !
كان طبيبا يعمل مع أبي ... ولكنه كان مصريا أيضا ... وهو القسم الذي تخلى عنه والدي زاهدا , فجارنا بحكم كونه مصري ... فالسهر والترفيه والخروج هو واجب مقدس يجب القيام به يوميا !

وكان لابد له من صحبة !
وعار عليه أن يبحث عن رفيق له ولأسرته وبجواره أسرتنا !
وكان هذا كافيا لتعذيب أبي !
فوالدي كان ينتظر الأجازة بفارغ الصبر حتى يخلوا بأحبائه الكتب ... كانت له صومعة خاصة به يحرم على أمثالنا التعدي على حدودها ... ولكن جارنا العزيز قام بإرتكاب أكبر خطأ في حياته !
كان جارنا قد قام بعمل عزومة كبيرة للمصريين .... وكان الأمر صاخبا لدرجة أن أبي قد ترك مرجعه الحبيب ودخل لينام محتسبا أجره على الله ..... إلى أن قام جارنا بطرق الباب علينا في الساعة الثانية عشر مساء ليدعو أبي إلى أن يتفرج معه على مسرحية !
وهنا أقسم أبي في سره ... ليذهبن إلى أبعد مكان عن المصريين حتى ولو كان على أطراف الصحراء !
وصدقه الله في قسمه !
فبيتنا العزيز كان في آخر طرف من أطراف المدينة مكان يسمى القرائن ... كان يطل على منظر رائع جدا .... الصحراء !
كان هناك جبل على مرمى البصر .... وكانت هناك تلال من الرمال تحيط بالجبل ... كان الارض جرداء لدرجة أنك ترى الشقوق في الأرض من على بعد .... كانت هناك مقابر تبعد عن بيتنا حوال 2 كيلو.... وكانت بعدها الأطلال التي حدثتكم عنها سابقا !
كان المصريون للأسف ليسوا من عينة أبي المتدينة والمحبة للعلم ... فبالتالي كانت علاقته بالمصريين علاقة طيبة ولكنها في أضيق الحدود !
وبالتالي كانت تربيتي خالية من أصدقاء الطفولة ولذلك اسباب عديدة وهو ما سأتحدث عنه لاحقا بالتفصيل !
لكل طفل مملكة .... و كانت الصحراء هي مملكتي !
كنت أرى حيوانات ونباتات لا أعلم إسمها ... فكنت أسميها أنا !
وكان من أحب الحيوانات إلى قلبي ... الضب !
للأسف بعض من الناس الذين رأوا الصور على جووجل ... أن الضب حيوان مخيف !
ولكن ... عذرا ... نظريتي الخبيرة تختلف !
إن الضب حيوان شرس جدا .... فبداية من فكه القوي جدا والذي يمكن أن يكسر عصاة مقشه دون أن يطرف له جفن ... وعندما يعض إنسانا فلا يفلته حتى لو تم قتله !
وذيله القوي الذي يحتوي على حراشيف مدببة تكفي لإصابتك بجروح متوسطة أو يقوم بكسر يدك بضربة من ذيله !
والفحيح الذي يطلقه عندما ينتصب واقفا على أقدامه !
كل هذا كان كافيا لدب الرعب في قلوب المصريين الفافي !
ولكنه كان لطيفا جدا من وجهة نظري !
إن ذكر الضب حيوان مسالم جدا جدا ... يمكنك أن تصطاده من ذيله إن أردت فلا يحرك ساكنا ... نادرا ما يتعصب حتى لو قمت بضربه !
أما التحدي الحقيقي فكانت الأنثى !
إنك لا تستطيع أن تقترب منها أصلا !
وهذا كان التحدي الأكبر بالنسبة لي !
كنت في إحدى نزهاتي في قلب الصحراء وجدت حبيبتي !
ضوبا !
كانت ضبا متوسط الحجم ... عندما رأتني نظرت إلى ونظرت إليها .... تبادلنا أول نظرات الحب .... وبدأنا بالجري !
حسنا ... إنكي سريعة ولكنني ملك هذه الأرض !
بعد مناورات إستطعت أن أمسكها !
والمسكة المحترفة للضب هي من خلف رأسه وتقوم برفعه بسرعة حتى لا يسحقك ذيله بضربة قويه !
قمت بوضعها في برميل كبير الحجم وبدأت مرحلة الترويض !
وأطلقت عليها إسم " ضوبا "
معذرة ... إنني أعلم أنكم متقززين من القصة ولكنكم تركتم جهلكم بهذا الحيوان يكون حاكما ظالما !
إن الضب حيوان نظيف جدا جدا جدا جدا ... لم أرى في حياتي حيوان أنظف منه ... وإنف جدا جدا جدا ... فلا يأكل إلا نباتات معينة ... ويكره الماء كراهية عمياء وهي أساس إصطياده... ولا يأكل لو كان الأكل غير نظيف حتى لو مات من الجوع ( الفراخ في مصر بتاكل زبالة
)... والسعوديين يأكلونه لأنه شفاء لكثير من الأمراض .... ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأكله لأنه كرهه !
بالتأكيد أنا لم آكله ... فلا أعلم آدميا يأكل أصدقاءه
!
ولكن ضوبا كانت ضبا عنيدا وهو ما جعلني أتمسك بها أكثر !
بعد إسبوع إستطعت أن أربت عليها !
بعدها بعدة أيام إستطعت أن أحملها من أسفلها !
إلى أن تطور الأمر أنها كانت تمشي بجواري بمنتهى السعادة !
كنت أتركها خارج البيت بناء على بكاء أمي ... التي حرمت على نفسها أن تنزل إلى الحديقة بعد أن وجدت ضوبا في مخبأها !
قامت ضوبا ببناء جحر صغير لها بجوار بيتنا ... وكنت أفتح لها باب الحوش فتدخل وتخرج بأمان تام !

كانت بنت عمتى التي تكبرني بعدة أعوام عندنا ذات يوم وكنا نلعب بنج بونج في الحديقة ... ورأت برصا صغيرا .... فصرخت صريخ المصريات .... " بوووووووووووووووووووورص "
بعد هروب البورص المسكين ....
أنا : إنتي بتاخافي من البرص ولا إيه ؟
هيا : أوي .... إنتو عندوكوا البرص كبير كدة ليه ... ده عندنا في الرياض مفيش الحاجات ديه ... ولو في بيبقى صغير اوي !
أنا : إيه ده ... بجد والله ؟؟ طب عندي ليكي مفاجأة .... غمضي عيني وإحلفي مانتش فتحاها غير لما أقولك
!
الخطة المعتادة التي سيفكر بها أي طفل عبقري
.... وضع ضوبا فوق طاولة البنج بونج ..... إفتحي عينك يا إيمان ... البقية متوقع !
إنني أتذكر جيدا كم كنت مرعوبا يومها بسبب أنني كنت سأقتل بنت عمتي رعبا !
عاشت ضوبا عدة أسابيع معي ... إلى ان حدثت الجريمة !
إستيقظت صباحا ... راوداتني نفسي أن أرى ضوبا ... نزلت ... لم أجدها !
حسنا ... إن الكسولة مازالت نائمة ....يبدوا أنها في جحرها ... إستيقظي ... كانت عادة لدي أن أقوم بإثارتها برش الماء عليها ... حسنا سأحضر الماء لكي !
رششت بعض الماء ... لم تخرج كالعادة !!!
وضعت يدي داخل الجحر ... ليست هنا !
بدأت دقات قلبي بالتصاعد بشكل فجائي ... هل هربت ؟؟؟ كيف ولماذا ؟؟؟
ورأيت أبشع منظر مازلت أتذكره إلى الآن والله !
ضوبا ... مذبوحة !
كانت رأسها مفصوله عن جسدها ... لا أدري من قام بهذا ... بدأت أبكي كمن فقد أخا له أو زوجة له ... حملتها بين ذراعي وأنا أبكي .... نادت علي أمي فلم أرد عليها ... نزلت أمي فرأتني فدمعت عينها !
أقسمت أنني لن أسامح من قتلها إلى يوم الدين .... لم أعلم من هو حتى الآن ... قد يكون ذئبا أو كلبا أو قطا بريا .... أو بالتأكيد هو أحد الأوغاد السعوديين !
قمت بدفنها في جحرها في جنازة مهيبة لم يحضرها سواي بالطبع !
مكثت عدة أيام مكتئبا جدا ...
إلى أن رزقني الله بضب آخر له قصة أخرى !
كانت إحدى البدويات تحب أبي لأنه كان طبيبا ماهرا وقام بإكرامها ومساعدتها عدة مرات ... فتعبيرا لها عن إمتنانها قامت بإهداء أبي ضبا صغيرا جدا !

أطول قليلا من حجم إصبع الوسطى لديك !
الطريف أنها أعطته هذا الضب في المستشفى في العيادة ... عندما رأت الممرضة قامت بالخطوة الأولى التي تقوم بها أي أنثى وهو الصراخ ... والخطوة الثانية : فقدان الوعي
!
قام أبي مرتبكا محرجا من الموقف ووضع الضب الصغير في ظرف !
وقام بإحضاره إلى !
قمت بتربيته كضوبا ... ولكنه كان مملا جدا ... لم أعره أي أهتمام ... وضعته في درج مكتبي حتى أحميه من الشارع ... لا أذكر إن كنت قد أطلقت عليه إسما أم لا .... ولكني أذكر جيدا أنني قمت بعدما إشتد عوده بإطلاق صراحه في الصحراء !
وهو الأمر الذي كان عاملا مشتركا بين كل الضبان !
أنني بعد إصطيادها ... أحتفظ بها قليلا ... ثم ألقيها في الصحراء مرة أخرى !
وكأنني كنت أبحث عن بديل لهذا الضب الذي كان من احب الحيوانات إلى قلبي !
عن ضوبا !

كانت الصورة التالية لي أنا وأخي بجوار سيارتنا الحبيبة !
تويوتا كريسيدا !
لم تكن إبتسامتنا إبتسامة بلهاء كالعادة ... بل كانت إبتسامة صفراء خبيثة !
إنها الحادثة التي لا يعلم أسرارها أحد حتى الآن
!
كانت لنا عادة أنا وأخي أن نأخذ سيارة أبي من وراءه وقت نومه ...سواء كان في وقت القيلولة أو ليلا .
كنت في السنة الأولى الإعدادي ... وكان أخي في السنة الثالثة ثانوي وكان بالتأكيد هو قائد مهمة تدمير سيارة أبي
!
كنا محترفين فنون التخميس والدرافت بالسيارة .... يطلق على هذا الفن في السعودية إسم " التفحيط " ... وكنا نقوم بحركات ( أو كان أخي ) مستحيلة أقرب للجنون (بعد إذن قوصي طبعا ).... إلى أن رزقنا الله يوما ما بجدار قمنا بإحتضانه بحب وحنان
!
تم بحمد الله سحق الجانب الأيمن الأمامي ( الرفرف ) + الإكصيدام + الشبكة والفوانيس ...
تبادلنا النظرات أنا وأخي ... قمنا بتوديع بعضنا على أمل أن نلتقي في الدار الآخرة ... بالتأكيد أبي سيقوم بسلخنا أحياء !
وجاءت النجدة من السماء !
سيارة تويوتا هايلوكس ( إللي هيا شبة الربع نقل ديه ) تمر أمامنا ويقودها شاب طائش برعونة !
قلت لأخي - الذي بدأ بحفر قبره - ... أنا عندي فكرة !
وكانت فكرة عبقرية بكل المقاييس !
أن السيارة قد عملت حادثة وهي واقفة !
قمنا بركن السيارة أمام بيتنا بجوار حائط ... في المكان الذي ركن فيه أبي بالضبط .... قمنا بحمل أشلاء السيارة من مكان الحادث إلى مكان مكان ركنة أبي .... وقمنا بتوزيعها بشكل فني وكأنها ناتجة عن حادث !
الخطوة الثانية : هذه أشلاء سيارتنا ... فأين أشلاء السيارة الأخرى ؟
وهنا كان دوري مرة أخرى ... بما أنني ملك هذه المنطقة ... فلقد علمت مكانا سريا خلف الأطلال يعتبر كمقبرة للسيارات !
ذهبنا أنا وأخي وأحضرنا فانوسا مكسورا من سيارة داتسون وفردة كاوتش !
وقمنا بتهشيم الفانوس على الأرض بجوار سيارتنا
!
وقمنا برسم علامات على الأرض الرملية بواسطة الكاوتش وكأنها آثار فرملة عنيفة تنتهي بالقرب من سيارتنا !
الخطورة الثالثة : إخبار أبي بأن سيارتنا عملت حادثة
!
كان أبي قد وعدنا وعودا مغلظة أنه سيأخذنا إلى حمام السباحة ( وكان يوم الجمعة أنا لسة فاكر لحد دلوقتي ) ... وكان من عادة أبي أن نذهب قبل صلاة المغرب بحيث نصلى المغرب في النادي !
وكان من عادة أبي أن يجعل أخي ينزل يسخن العربية وأنا أحضر العوامات ( بتاعت إخواتي الصغيرين أنا طول عمري سمكة في الماية
) وأضعها في السيارة !
نزلت أنا وأخي وأختى الصغيرة .... رأينا السيارة ... وهنا صرخت باكيا " إيه ده .... العربيـة عملت حادثة "
صرخ بي أخي : " إطلع قول لبابا بسرعة " ولسان حاله يقول " وحياة أمك ؟ "
قفزت على درجات السلالم مسرعا إلى غرفة أبي .... رسمت أقوى ملامح الفزع والهلع على وجهي ... لو رآني راسل كرو لصرخ هاتفا بإسمي متنازلا لي عن جائزة الأوسكار الخاصة به ....." بابا بابا ... إلحق ... هه هه هه ... إلحق ... هه هه هه ... العربية ... هه هه هه مخبوووووووووووطاااااااااااة "
نزلنا أنا وأبي إلى السيارة ... إن السيارة في وضع مأساوي لا جدال في ذلك ... قام أبي بالإتصال بالشرطة ... نظر إلينا فوجد وجهنا تحاكي وجوه الموتى ... حسنا العمر واحد والرب واحد
!
أتي ظابط سعودي ليفحص مكان الحادث ... وهنا إنتبهنا لأمر بالغ الخطورة ... أن الخبطة أثرت على الجزء الأيمن من السيارة وكان أبي يركن السيارة بجوار حائط على يمين السيارة .... بمعنى لو أن سيارة ما قامت بالإصطدام بسيارتنا ... إذا لا بد أن تكون قد إخترقت جزءا من الحائط ! ( مش حتفهموا أوي لازم أرسمهالكم )
كان الأمر مفضوحا جدا
!
بدأنا في عمل لستة بالأشياء الضرورية التي سوف نحتاجها في السجن ...إن أي معتوه سيعلم أن الحادثة مفبركة ... ولكن الظابط السعودي العبقري جعلنا نتفس الصعداء بقوله :
" كيف ها الحادثة ؟ إشلون ها السيارة مصدومة من ها الجهة "
إن الأحمق لم يفطن إلينا بعد ...حسنا ... بعضا من المؤثرات الخارجية قد تفيد
!
أنا بكلمات صادقة
: " تراني شفت رجّال سايج سيارة ونيت وكان جاعد يفحط بهالسيارة "
أخي : " إي ... شفته وكان فيه واحد يفحط معاه معه سيارة داتسون "

أعتقد أنني لمحت ظلا أحمرا ممسكا بشوكة وله ذيل أحمر وهو ينحني لي و يصفق لي جذلا !
بالتأكيد خيالات !
هرش الظابط العبقري رأسه ... وقام بإعطاء إشارة إلى كل الدوريات لتبحث عن أي سيارة مصدومة حديثا !
بالتأكيد لم يجدوا أي سيارة بالمواصفات التي اعطيناها ... كنا سنموت كمدا لو تم إتهام أحد الأبرياء ... ولكننا كنا مطمئنين نوعا ما لوجود هذا الظابط العبقري في المرور .... لم يتم كشفنا وتنازل أبي عن المحضر فيما بعد !
إعترفنا لأبي بهذه الحادثة بعد مرور 10 سنين عليها ... ولكنه كان قد نسيها تماما ... ولكنه تذكر حادثة أخرى وسألنا عليها !
بالتأكيد نظرنا أنا وياسر لبعضنا البعض نظرة ذات معنى .... لا يا أبي لا نذكر شيئا عن هذه الحادثة
!
فقال أبي كلمته التاريخية : مادام في مال أبوكو ... يبقى إعملوا إللي أنتو عايزينه!
أعتقد أن أبي يحفظنا جيدا !
ولكنني أذكر جيدا أنه قد ضبطنا متلبسين في مرة من المرات
!

لا أحتاج إلى صورة حتى أتذكر هذا الموقف ... بالتأكيد لو قمت بطباعة مستطيل أحمر دموي وقلت لي : ما هي ذكرياتك عن هذه الصورة ... بالتأكيد سأذكر لك هذا الموقف !
إستيقظ أبي في الساعة الثانية فجرا ... ليجد سيارته غير موجودة !
وهنا جائته فكرة عبقرية
!
سأكمل فيما بعد
أين كنت تسكن
؟
بالتأكيد هذا السؤال هو الوحيد الذي أستطيع أن أجيب عليه , إلا لو تخيلت أنني أستطيع أن أجيب على أسئلة من عينة " هل أنت طبيعي ؟بالتأكيد أنا طبيعي ولكن البيئة المحيطة بي كانت غير طبيعية بالنسبة للإنسان المصري !
في بداية حياتنا في السعودية , كان أبي يعيش كأغلبية البشر في المدينة ... يطلق عليها إسم شقراء وهي تعتبر عاصمة المنطقة الوسطى ... ولكن طبيعة أبي كانت مختلفة عن البشر العاديين !
إنه يعشق العلم !
يعشقه لدرجة لم أرى مثيلا لها في حياتي حتى الآن !لن أتعجب إن أخبرني أنه يحب مرجع " غايتون " في الفيسيولوجي أو مرجع " أي سي يو بوك " أكثر مني !
وهنا كانت المشكلة !
جارنا المصري !
كان طبيبا يعمل مع أبي ... ولكنه كان مصريا أيضا ... وهو القسم الذي تخلى عنه والدي زاهدا , فجارنا بحكم كونه مصري ... فالسهر والترفيه والخروج هو واجب مقدس يجب القيام به يوميا !
وكان لابد له من صحبة !
وعار عليه أن يبحث عن رفيق له ولأسرته وبجواره أسرتنا !
وكان هذا كافيا لتعذيب أبي !
فوالدي كان ينتظر الأجازة بفارغ الصبر حتى يخلوا بأحبائه الكتب ... كانت له صومعة خاصة به يحرم على أمثالنا التعدي على حدودها ... ولكن جارنا العزيز قام بإرتكاب أكبر خطأ في حياته !
كان جارنا قد قام بعمل عزومة كبيرة للمصريين .... وكان الأمر صاخبا لدرجة أن أبي قد ترك مرجعه الحبيب ودخل لينام محتسبا أجره على الله ..... إلى أن قام جارنا بطرق الباب علينا في الساعة الثانية عشر مساء ليدعو أبي إلى أن يتفرج معه على مسرحية !
وهنا أقسم أبي في سره ... ليذهبن إلى أبعد مكان عن المصريين حتى ولو كان على أطراف الصحراء !
وصدقه الله في قسمه !
فبيتنا العزيز كان في آخر طرف من أطراف المدينة مكان يسمى القرائن ... كان يطل على منظر رائع جدا .... الصحراء !
كان هناك جبل على مرمى البصر .... وكانت هناك تلال من الرمال تحيط بالجبل ... كان الارض جرداء لدرجة أنك ترى الشقوق في الأرض من على بعد .... كانت هناك مقابر تبعد عن بيتنا حوال 2 كيلو.... وكانت بعدها الأطلال التي حدثتكم عنها سابقا !
كان المصريون للأسف ليسوا من عينة أبي المتدينة والمحبة للعلم ... فبالتالي كانت علاقته بالمصريين علاقة طيبة ولكنها في أضيق الحدود !
وبالتالي كانت تربيتي خالية من أصدقاء الطفولة ولذلك اسباب عديدة وهو ما سأتحدث عنه لاحقا بالتفصيل !
لكل طفل مملكة .... و كانت الصحراء هي مملكتي !كنت أرى حيوانات ونباتات لا أعلم إسمها ... فكنت أسميها أنا !
وكان من أحب الحيوانات إلى قلبي ... الضب !
للأسف بعض من الناس الذين رأوا الصور على جووجل ... أن الضب حيوان مخيف !
ولكن ... عذرا ... نظريتي الخبيرة تختلف !
إن الضب حيوان شرس جدا .... فبداية من فكه القوي جدا والذي يمكن أن يكسر عصاة مقشه دون أن يطرف له جفن ... وعندما يعض إنسانا فلا يفلته حتى لو تم قتله !
وذيله القوي الذي يحتوي على حراشيف مدببة تكفي لإصابتك بجروح متوسطة أو يقوم بكسر يدك بضربة من ذيله !
والفحيح الذي يطلقه عندما ينتصب واقفا على أقدامه !
كل هذا كان كافيا لدب الرعب في قلوب المصريين الفافي !
ولكنه كان لطيفا جدا من وجهة نظري !
إن ذكر الضب حيوان مسالم جدا جدا ... يمكنك أن تصطاده من ذيله إن أردت فلا يحرك ساكنا ... نادرا ما يتعصب حتى لو قمت بضربه !
أما التحدي الحقيقي فكانت الأنثى !
إنك لا تستطيع أن تقترب منها أصلا !
وهذا كان التحدي الأكبر بالنسبة لي !
كنت في إحدى نزهاتي في قلب الصحراء وجدت حبيبتي !
ضوبا !
كانت ضبا متوسط الحجم ... عندما رأتني نظرت إلى ونظرت إليها .... تبادلنا أول نظرات الحب .... وبدأنا بالجري !
حسنا ... إنكي سريعة ولكنني ملك هذه الأرض !
بعد مناورات إستطعت أن أمسكها !
والمسكة المحترفة للضب هي من خلف رأسه وتقوم برفعه بسرعة حتى لا يسحقك ذيله بضربة قويه !
قمت بوضعها في برميل كبير الحجم وبدأت مرحلة الترويض !
وأطلقت عليها إسم " ضوبا "
معذرة ... إنني أعلم أنكم متقززين من القصة ولكنكم تركتم جهلكم بهذا الحيوان يكون حاكما ظالما !
إن الضب حيوان نظيف جدا جدا جدا جدا ... لم أرى في حياتي حيوان أنظف منه ... وإنف جدا جدا جدا ... فلا يأكل إلا نباتات معينة ... ويكره الماء كراهية عمياء وهي أساس إصطياده... ولا يأكل لو كان الأكل غير نظيف حتى لو مات من الجوع ( الفراخ في مصر بتاكل زبالة
)... والسعوديين يأكلونه لأنه شفاء لكثير من الأمراض .... ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأكله لأنه كرهه !بالتأكيد أنا لم آكله ... فلا أعلم آدميا يأكل أصدقاءه
ولكن ضوبا كانت ضبا عنيدا وهو ما جعلني أتمسك بها أكثر !
بعد إسبوع إستطعت أن أربت عليها !
بعدها بعدة أيام إستطعت أن أحملها من أسفلها !
إلى أن تطور الأمر أنها كانت تمشي بجواري بمنتهى السعادة !
كنت أتركها خارج البيت بناء على بكاء أمي ... التي حرمت على نفسها أن تنزل إلى الحديقة بعد أن وجدت ضوبا في مخبأها !
قامت ضوبا ببناء جحر صغير لها بجوار بيتنا ... وكنت أفتح لها باب الحوش فتدخل وتخرج بأمان تام !

كانت بنت عمتى التي تكبرني بعدة أعوام عندنا ذات يوم وكنا نلعب بنج بونج في الحديقة ... ورأت برصا صغيرا .... فصرخت صريخ المصريات .... " بوووووووووووووووووووورص "
بعد هروب البورص المسكين ....
أنا : إنتي بتاخافي من البرص ولا إيه ؟
هيا : أوي .... إنتو عندوكوا البرص كبير كدة ليه ... ده عندنا في الرياض مفيش الحاجات ديه ... ولو في بيبقى صغير اوي !
أنا : إيه ده ... بجد والله ؟؟ طب عندي ليكي مفاجأة .... غمضي عيني وإحلفي مانتش فتحاها غير لما أقولك
!الخطة المعتادة التي سيفكر بها أي طفل عبقري
.... وضع ضوبا فوق طاولة البنج بونج ..... إفتحي عينك يا إيمان ... البقية متوقع !إنني أتذكر جيدا كم كنت مرعوبا يومها بسبب أنني كنت سأقتل بنت عمتي رعبا !
عاشت ضوبا عدة أسابيع معي ... إلى ان حدثت الجريمة !إستيقظت صباحا ... راوداتني نفسي أن أرى ضوبا ... نزلت ... لم أجدها !
حسنا ... إن الكسولة مازالت نائمة ....يبدوا أنها في جحرها ... إستيقظي ... كانت عادة لدي أن أقوم بإثارتها برش الماء عليها ... حسنا سأحضر الماء لكي !
رششت بعض الماء ... لم تخرج كالعادة !!!
وضعت يدي داخل الجحر ... ليست هنا !
بدأت دقات قلبي بالتصاعد بشكل فجائي ... هل هربت ؟؟؟ كيف ولماذا ؟؟؟
ورأيت أبشع منظر مازلت أتذكره إلى الآن والله !
ضوبا ... مذبوحة !
كانت رأسها مفصوله عن جسدها ... لا أدري من قام بهذا ... بدأت أبكي كمن فقد أخا له أو زوجة له ... حملتها بين ذراعي وأنا أبكي .... نادت علي أمي فلم أرد عليها ... نزلت أمي فرأتني فدمعت عينها !
أقسمت أنني لن أسامح من قتلها إلى يوم الدين .... لم أعلم من هو حتى الآن ... قد يكون ذئبا أو كلبا أو قطا بريا .... أو بالتأكيد هو أحد الأوغاد السعوديين !
قمت بدفنها في جحرها في جنازة مهيبة لم يحضرها سواي بالطبع !
مكثت عدة أيام مكتئبا جدا ...
إلى أن رزقني الله بضب آخر له قصة أخرى !
كانت إحدى البدويات تحب أبي لأنه كان طبيبا ماهرا وقام بإكرامها ومساعدتها عدة مرات ... فتعبيرا لها عن إمتنانها قامت بإهداء أبي ضبا صغيرا جدا !
أطول قليلا من حجم إصبع الوسطى لديك !
الطريف أنها أعطته هذا الضب في المستشفى في العيادة ... عندما رأت الممرضة قامت بالخطوة الأولى التي تقوم بها أي أنثى وهو الصراخ ... والخطوة الثانية : فقدان الوعي
!قام أبي مرتبكا محرجا من الموقف ووضع الضب الصغير في ظرف !
وقام بإحضاره إلى !
قمت بتربيته كضوبا ... ولكنه كان مملا جدا ... لم أعره أي أهتمام ... وضعته في درج مكتبي حتى أحميه من الشارع ... لا أذكر إن كنت قد أطلقت عليه إسما أم لا .... ولكني أذكر جيدا أنني قمت بعدما إشتد عوده بإطلاق صراحه في الصحراء !
وهو الأمر الذي كان عاملا مشتركا بين كل الضبان !
أنني بعد إصطيادها ... أحتفظ بها قليلا ... ثم ألقيها في الصحراء مرة أخرى !
وكأنني كنت أبحث عن بديل لهذا الضب الذي كان من احب الحيوانات إلى قلبي !
عن ضوبا !

كانت الصورة التالية لي أنا وأخي بجوار سيارتنا الحبيبة !
تويوتا كريسيدا !
لم تكن إبتسامتنا إبتسامة بلهاء كالعادة ... بل كانت إبتسامة صفراء خبيثة !
إنها الحادثة التي لا يعلم أسرارها أحد حتى الآن
!كانت لنا عادة أنا وأخي أن نأخذ سيارة أبي من وراءه وقت نومه ...سواء كان في وقت القيلولة أو ليلا .
كنت في السنة الأولى الإعدادي ... وكان أخي في السنة الثالثة ثانوي وكان بالتأكيد هو قائد مهمة تدمير سيارة أبي
!كنا محترفين فنون التخميس والدرافت بالسيارة .... يطلق على هذا الفن في السعودية إسم " التفحيط " ... وكنا نقوم بحركات ( أو كان أخي ) مستحيلة أقرب للجنون (بعد إذن قوصي طبعا ).... إلى أن رزقنا الله يوما ما بجدار قمنا بإحتضانه بحب وحنان
تم بحمد الله سحق الجانب الأيمن الأمامي ( الرفرف ) + الإكصيدام + الشبكة والفوانيس ...
تبادلنا النظرات أنا وأخي ... قمنا بتوديع بعضنا على أمل أن نلتقي في الدار الآخرة ... بالتأكيد أبي سيقوم بسلخنا أحياء !
وجاءت النجدة من السماء !
سيارة تويوتا هايلوكس ( إللي هيا شبة الربع نقل ديه ) تمر أمامنا ويقودها شاب طائش برعونة !قلت لأخي - الذي بدأ بحفر قبره - ... أنا عندي فكرة !
وكانت فكرة عبقرية بكل المقاييس !
أن السيارة قد عملت حادثة وهي واقفة !
قمنا بركن السيارة أمام بيتنا بجوار حائط ... في المكان الذي ركن فيه أبي بالضبط .... قمنا بحمل أشلاء السيارة من مكان الحادث إلى مكان مكان ركنة أبي .... وقمنا بتوزيعها بشكل فني وكأنها ناتجة عن حادث !
الخطوة الثانية : هذه أشلاء سيارتنا ... فأين أشلاء السيارة الأخرى ؟
وهنا كان دوري مرة أخرى ... بما أنني ملك هذه المنطقة ... فلقد علمت مكانا سريا خلف الأطلال يعتبر كمقبرة للسيارات !
ذهبنا أنا وأخي وأحضرنا فانوسا مكسورا من سيارة داتسون وفردة كاوتش !
وقمنا بتهشيم الفانوس على الأرض بجوار سيارتنا
وقمنا برسم علامات على الأرض الرملية بواسطة الكاوتش وكأنها آثار فرملة عنيفة تنتهي بالقرب من سيارتنا !
الخطورة الثالثة : إخبار أبي بأن سيارتنا عملت حادثة
!كان أبي قد وعدنا وعودا مغلظة أنه سيأخذنا إلى حمام السباحة ( وكان يوم الجمعة أنا لسة فاكر لحد دلوقتي ) ... وكان من عادة أبي أن نذهب قبل صلاة المغرب بحيث نصلى المغرب في النادي !
وكان من عادة أبي أن يجعل أخي ينزل يسخن العربية وأنا أحضر العوامات ( بتاعت إخواتي الصغيرين أنا طول عمري سمكة في الماية
نزلت أنا وأخي وأختى الصغيرة .... رأينا السيارة ... وهنا صرخت باكيا " إيه ده .... العربيـة عملت حادثة "
صرخ بي أخي : " إطلع قول لبابا بسرعة " ولسان حاله يقول " وحياة أمك ؟ "قفزت على درجات السلالم مسرعا إلى غرفة أبي .... رسمت أقوى ملامح الفزع والهلع على وجهي ... لو رآني راسل كرو لصرخ هاتفا بإسمي متنازلا لي عن جائزة الأوسكار الخاصة به ....." بابا بابا ... إلحق ... هه هه هه ... إلحق ... هه هه هه ... العربية ... هه هه هه مخبوووووووووووطاااااااااااة "
نزلنا أنا وأبي إلى السيارة ... إن السيارة في وضع مأساوي لا جدال في ذلك ... قام أبي بالإتصال بالشرطة ... نظر إلينا فوجد وجهنا تحاكي وجوه الموتى ... حسنا العمر واحد والرب واحد
!
أتي ظابط سعودي ليفحص مكان الحادث ... وهنا إنتبهنا لأمر بالغ الخطورة ... أن الخبطة أثرت على الجزء الأيمن من السيارة وكان أبي يركن السيارة بجوار حائط على يمين السيارة .... بمعنى لو أن سيارة ما قامت بالإصطدام بسيارتنا ... إذا لا بد أن تكون قد إخترقت جزءا من الحائط ! ( مش حتفهموا أوي لازم أرسمهالكم )كان الأمر مفضوحا جدا
بدأنا في عمل لستة بالأشياء الضرورية التي سوف نحتاجها في السجن ...إن أي معتوه سيعلم أن الحادثة مفبركة ... ولكن الظابط السعودي العبقري جعلنا نتفس الصعداء بقوله :
" كيف ها الحادثة ؟ إشلون ها السيارة مصدومة من ها الجهة "
إن الأحمق لم يفطن إلينا بعد ...حسنا ... بعضا من المؤثرات الخارجية قد تفيد
أنا بكلمات صادقة
أخي : " إي ... شفته وكان فيه واحد يفحط معاه معه سيارة داتسون "

أعتقد أنني لمحت ظلا أحمرا ممسكا بشوكة وله ذيل أحمر وهو ينحني لي و يصفق لي جذلا !
بالتأكيد خيالات !
هرش الظابط العبقري رأسه ... وقام بإعطاء إشارة إلى كل الدوريات لتبحث عن أي سيارة مصدومة حديثا !
بالتأكيد لم يجدوا أي سيارة بالمواصفات التي اعطيناها ... كنا سنموت كمدا لو تم إتهام أحد الأبرياء ... ولكننا كنا مطمئنين نوعا ما لوجود هذا الظابط العبقري في المرور .... لم يتم كشفنا وتنازل أبي عن المحضر فيما بعد !
إعترفنا لأبي بهذه الحادثة بعد مرور 10 سنين عليها ... ولكنه كان قد نسيها تماما ... ولكنه تذكر حادثة أخرى وسألنا عليها !
بالتأكيد نظرنا أنا وياسر لبعضنا البعض نظرة ذات معنى .... لا يا أبي لا نذكر شيئا عن هذه الحادثة
!فقال أبي كلمته التاريخية : مادام في مال أبوكو ... يبقى إعملوا إللي أنتو عايزينه!
أعتقد أن أبي يحفظنا جيدا !
ولكنني أذكر جيدا أنه قد ضبطنا متلبسين في مرة من المرات

لا أحتاج إلى صورة حتى أتذكر هذا الموقف ... بالتأكيد لو قمت بطباعة مستطيل أحمر دموي وقلت لي : ما هي ذكرياتك عن هذه الصورة ... بالتأكيد سأذكر لك هذا الموقف !
إستيقظ أبي في الساعة الثانية فجرا ... ليجد سيارته غير موجودة !
وهنا جائته فكرة عبقرية
سأكمل فيما بعد
أسامة عفيفي
10-2-2009
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق